العيني

61

عمدة القاري

وقال الخطابي : إما أن يراد بهما حكاية أقاويل الناس ، كما يقال : قال فلان كذا ، وقيل له : كذا ، من باب ما لا يعني . وأما ما كان من أمر الدين ينقله بلا حجة وبيان يقلد ما يسمعه ولا يحتاط فيه . وقال ابن الجوزي : المراد به حكاية شيء لا تعلم صحته فإن الحاكي يقول : قيل وقال : وعن مالك : هو الإكثار من الكلام والإرجاف ، نحو قول القائل : أعطي فلان كذا ومنع من كذا ، أو الخوض فيما لا يعني . وقال ابن التين : له تأويلان : أحدهما : أن يراد به حكاية أقوال الناس وأحاديثهم والبحث عنها لينمي فيقول : قال فلان كذا وفلان كذا ، مما لا يجر خيرا ، إنما هو ولوع وشغب ، وهو من التجسس المنهي عنه . والثاني : أن يكون في أمر الدين فيقول : قيل له فيه كذا ، وقال فلان فيقلد ولا يحتاط بمواضع الاحتياط بالحجج . قوله : ( وإضاعة المال ) ، هو رواية الكشميهني وفي رواية غيره : ( إضاعة الأموال ) ، وهو أن يتركه من غير حفظ له فيضيع ، أو يتركه حتى يفسد ، أو يرميه إذا كان يسيرا كبرا عن تناوله ، أو بأن يرضى بالغبن ، أو ينفقه في البناء واللباس والمطعم بإسراف ، أو ينفقه في المعاصي ، أو يسلمه لخائن أو مبذر ، أو يموه الأواني بالذهب أو يطرز الثياب به ، أو يذهِّب سقوف البيت ، فإنه من التضييع الفاحش لأنه لا يمكن تخليصه منه وإعادته إلى أصله ، ومنه قسمة ما لا ينتفع بقسمته كاللؤلؤة ، ومنه الصدقة وإكثارها وعليه دين لا يرجو له وفاء دينه ، ومنه سوء القيام على ما يملكه كالرقيق إذا لم يتعهده ضاع ، ومنه أن يتخلى الرجل من كل ماله وهو محتاج إليه غير قوي على الصبر والإطاقة ، وقد يحتمل أن يؤول معنى الإضاعة على العكس مما تقدم بأن يقال : إضاعته : حبسه عن حقه والبخل به على أهله كما قال الشاعر : * وما ضاع مال أورث المجد أهله * ولكن أموال البخيل تضيع * وقال الداودي : إضاعة المال تؤدي إلى الفقر الذي يخشى منه الفتنة ، وكأن الشارع ، صلى الله عليه وسلم ، يتعوذ من الفقر وفتنته . وقال المهلب في إضاعة المال : يريد السرف في إنفاقه وإن كان فيما يحل ، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم رد تدبير المعدم لأنه أسرف على ماله فيما يحل ويؤجر فيه ، لكنه أضاع نفسه ، وأجره في نفسه آكد من أجره في غيره . قوله : ( وكثرة السؤال ) ، أما السؤال إما أن يكون من سؤال الناس أموالهم والاستكثار منه ، أو سؤال المرء عما نهي عنه من المتشابه الذي تعبدنا بظاهره ، أو السؤال من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمور لم يكن لهم بها حاجة . وقال الخطابي : المسائل في كتاب الله تعالى على ضربين : أحدهما محمود كقوله : * ( يسألونك ماذا ينفقون ) * ( البقرة : 512 و 912 ) . ونحوه من الإشياء المحتاج إليها في الدين ، ولهذا قال تعالى : * ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) * ( النحل : 34 ، الأنبياء : 7 ) . والآخر مذموم كقوله : * ( يسألونك عن الروح ) * ( الإسراء : 58 ) . ونحوه مما لا ضرورة فيه لهم إلى علمه ، ولهذا قال تعالى : * ( ولا تسألوا عن أشياء إن تَبْدُ لكُم تسؤكم ) * ( المائدة : 101 ) . وقال النووي : يحتمل إن يراد بكثرة السؤال سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره ، لأنه يتضمن حصول الحرج في حق المسؤول عنه ، فإنه لا يريد إخباره بأحواله ، فإن أخبره شق عليه وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب . ويقال : في كثرة السؤال وجهان ذكرا عن مالك : الأول : سؤال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال : ( ذروني ما تركتكم ) . والثاني : سؤال الناس ، وهو الذي فهمه البخاري وبوب عليه ، وقال ابن التين فيه وجوه : أحدها : التعرض لما في أيدي الناس من الحطام بالحرص والشره ، وهو تأويل البخاري . ثانيها : أن يكون في سؤال المرء عما نهى عنه من متشابه الأمور على مذهب أهل الزيغ والشك وابتغاء الفتنة . ثالثها : ما كانوا يسألون الشارع صلى الله عليه وسلم عن الشيء من الأمور من غير حاجة بهم إليه فتنزل البلوى بهم ، كالسائل عمن يجد مع امرأته رجلاً أشد الناس جرما في الإسلام من سأل عن أمر لم يكن حراما فحرم من أجل مسألته . ذكر ما يستفاد منه فيه : الدلالة على الحجر ، واختلف العلماء في وجوب الحجر على البالغ المضيع لماله ، فجمهور العلماء يوجب الحجر عليه صغيرا كان أو كبيرا ، روي ذلك عن علي وابن عباس وابن الزبير وعائشة ، رضي الله تعالى عنهم ، وهو قول مالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وقال النخعي وابن سيرين وبعدهما أبو حنيفة وزفر : لا حجر على البالغ الحديث الذي يخدع في البيوع ولم يمنعه صلى الله عليه وسلم من التصرف . وفيه : دليل على فضل الكفاف على الفقر والغنى ، لأن ضياع المال يؤدي إلى الفتنة بالفقر وكثرة السؤال ، وربما يخشى من الغنى الفتنة ، قال تعالى : * ( كلا إن الإنسان